السيد كاظم الحائري

578

تزكية النفس

والشخصية من ناحية أخرى . وعلى أثر ضيق مساحة المادّة في المصالح الشخصيّة تقع الانصدامات والتشاحّ المستمرّ بين الناس في لذائذهم ومصالحهم ومآربهم ، وتنتج من ذلك الصراعات المريرة ، والتكالبات على الأمور التافهة والجزئية ، والسقوط في حضيض الرذائل والقبائح والمحرّمات . وهذا علاجه عبارة عن توسيع أفق النفس عن طريق حمل هموم واسعة رفيعة تترفّع عن الجزئيات من ناحية ، وتتسع عن الضيق الموجب للتصادم والاصطكاك من ناحية أخرى . والنقطة التي كان يركّز النظر إليها في المحفّز الأوّل وهو المثل الأعلى مفهوما ، كانت عبارة عن الفاصل في العمق بين المستوى النفسي الذي وصل إليه المربّى والمثل الأعلى الذي يطمح الوصول إليه ، في حين أنّ النقطة التي يركّز النظر إليها في هذا المحفّز عبارة عن ضيق أفق النفس وسعته . وعلى أيّ حال فهما متقاربان ومتداخلان . والطفل الذي يكون همّه اللعب بالتراب وما شابه ذلك ، قد يصبح في العمر والفهم إلى مستوى يدرك أنّ هذا لا ينفعه ، وأنّ الذي ينفعه هو ما ينشغل به الكبار من بناء البيت ، أو ترتيب وضع العائلة ، أو التجارة ، أو ما إلى ذلك ، ولكنّه ما دام مكفولا من قبل أوليائه ومنصرفا إلى الألعاب الطفوليّة ، تراه لا تنمو همّته ، ولا يتّسع أفقه النفسي ، في حين أنّه لو فجع بموت وليّه وإحساسه بالمسؤوليّة تجاه العائلة - مثلا - تراه يتحوّل في وقت قصير من المستوى الضيّق من الهموم إلى مستوى أوسع ، ويترفّع عن كثير من السفاسف التي كان لا يترفّع عنها ، على أساس أنّه ابتلي بحمل هم واسع رفيع لم يكن حاملا له قبل ذلك . والإنسان الذي يعيش في أفق بلد صغير متداني الأطراف ومتضارب المصالح ، تراه أضيق أفقا من الذي يعيش في دائرة واسعة تقلّ فيه مرتبة تضارب المصالح والمآرب . ومن يعيش لعائلته تراه أكبر همّة وتعاليا ممّن يعيش لنفسه .